الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
74
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفي القصة كلها تعريض بسادة قريش من أهل الكفر مثل أبي جهل بتنظيرهم بفرعون وتنظير الدهماء بالقوم الذين حشرهم فرعون ونادى فيهم بالكفر ، وقد علم المسلمون مضرب هذا المثل فكان أبو جهل يوصف عند المسلمين بفرعون هذه الأمة . وتأكيد الخبر ب إِنَّ ولام الابتداء لتنزيل السامعين الذين سيقت لهم القصة منزلة من ينكر ما فيها من المواعظ لعدم جريهم على الاعتبار والاتعاظ بما فيها من المواعظ . [ 27 - 29 ] [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 27 إلى 29 ] أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) انتقال من الاعتبار بأمثالهم من الأمم الذي هو تخويف وتهديد على تكذيبهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى إبطال شبهتهم على نفي البعث وهي قوله : أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ [ النازعات : 10 ] وما أعقبوه به من التهكم المبني على توهم إحالة البعث . وإذ قد فرضوا استحالة عود الحياة إلى الأجسام البالية إذ مثلوها بأجساد أنفسهم إذ قالوا : أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ [ النازعات : 10 ] جاء إبطال شبهتهم بقياس خلق أجسادهم على خلق السماوات والأرض فقيل لهم : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ ، فلذلك قيل لهم هنا أأنتم بضميرهم ولم يقل : آلإنسان أشدّ خلقا ، وما هم إلا من الإنسان ، فالخطاب موجه إلى المشركين الذين عبر عنهم آنفا بضمائر الغيبة من قوله : يَقُولُونَ إلى قوله : فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات : 10 - 14 ] ، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب . فالجملة مستأنفة لقصد الجواب عن شبهتهم لأن حكاية شبهتهم ب يَقُولُونَ أَ إِنَّا إلى آخره ، تقتضي ترقب جواب عن ذلك القول كما تقدم الإيماء إليه عند قوله : يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ [ النازعات : 10 ] . والاستفهام تقريري ، والمقصود من التقرير إلجاؤهم إلى الإقرار بأنّ خلق السماء أعظم من خلقهم ، أي من خلق نوعهم وهو نوع الإنسان وهم يعلمون أن اللّه هو خالق السماء فلا جرم أن الذي قدر على خلق السماء قادر على خلق الإنسان مرة ثانية ، فينتج ذلك أن إعادة خلق الأجساد بعد فنائها مقدورة للّه تعالى لأنه قدر على ما هو أعظم من ذلك قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ غافر : 57 ] ، ذلك أن نظرهم العقلي غيّمت عليه العادة فجعلوا ما لم يألفوه محالا ، ولم يلتفتوا إلى إمكان ما هو أعظم مما أحالوه بالضرورة .